دراسة نقدية إحصائية لقصيدة ( شوارع الليل )

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 27 مايو 2019 - 2:20 صباحًا
دراسة نقدية إحصائية لقصيدة ( شوارع الليل )

للشاعرة الجزائرية الدكتورة / سحر القوافي 
بقلم الأديب الناقد / معروف صلاح أحمد **
…………………………………………….
مقدمة :
هذه دراسة نقدية إحصائية لقصيدة ( شوارع الليل ) للشاعرة الجزائرية / سحر القوافي من ديوان ( ظلال من ريح )
1- نص الأشتغال

(شوارعُ الليلِ)
_____________

للشاعرة الجزائرية/ سحر القوافي
=================
أمتطِي صَهْوَةَ الشَّجَن..
أتِيهُ فِي أرْصِفَةِ الليْل..
وفي شوَارِعِ مِنْ قتادٍ ولهَب..
أخطُو على بقايَا الزُّجاجِ المسنَّنَةِ والجَمْر
أتبِعُ وجْهَكَ المُتَوَارِي خَلْفَ الحُجُب
وجْهَكَ الخرِيفي الوَسن..
وجهَكَ الوَجِيفَ في غيَاهِبِ الزَّمَن
أتِيهُ خلْفَ السَّرَاب..
أقفُ عَلى العتبَاتِ والأبْوَاب
أسْأَلُ عِنْ الخِلَّانِ والأحْبَاب..
وأسْألُ عَنْ وَطَن..
يَرْجِعُ نَشِيجُ صَوْتِي كَالنَّحِيب
أنْظُرْ حَوْلِي.. أَتفرَّسُ فِي المَدَى
فِي مَرَايَا الصَّدَى
شَوَارِعُ الليْلِ رهِيبَة..
ترتجفُ مِنْ قُرِّهَا الأجْسَادُ السَّلِيبَة
وَتلكَ الوجُوهُ المَكدُودَةُ الكئِيبَة
تلكَ الوجُوهُ العطْشَى لِقطرَةِ مُزْن
وَتلكَ البُطونُ الخَاويَةُ تَئِن..
تستَجْدِي الخُبْزَ والكرَامَة..
وتسألُ رَحْمَةَ قلوبٍ غلَّفَهَا الجَفَافُ والجَفَاءُ والعَفَن
تستعْطِفُ أصْنَامًا مِنْ صَقيعٍ ورُخَام
وعُيُونُها كَالجَمَرَاتِ تبْرقُ فِي الظَّلام
فيتصَاعدُ مِنْ أنفاسِهَا الشَّرَرُ والدُّخَان
لكنَّهَا تَتُوقُ للابتِسَامَةِ.. للمَوَدةِ والسَّلام
غريبَةٌ شَوَارِعُ الليْل..
مقيتةٌ هيَ شَوَارعُ الليْل..
يُبَاعُ فِيهَا الحُبُّ على الأرصفةِ كالطَّعَام
وتُبْتَاعُ فيهَا الشُّهْرَةُ والأحْلَام
وتُعَرْبِدُ على مَشَارِفِهَا أيَادِي الإجرَام
وتلكَ الصبيَّةُ تَبَرَّجَتْ في شَوارِع الليْل
تبِيعُ الهَوَى والعِفَّة…
لِتقتَاتَ الفُتَاتَ مِنْ فَحِيحِ الأَجْسَام
وهناك.. بَقَايَا رَمِيمٍ.. وَجِلْدٍ وَعِظَام..
تتكَدَّسُ في ركنِ الشارِعِ المُعْتِم
قد هدَّهَا الذُّلُ والوَهَن..
تخْشَى المَخْفَرَ والأَصْفَادِ والسِّيَاط..
وَتَخْشَى تُجَّارِ النِّخَاسَةِ اللئَام..
خَنَاجِرُهُمْ لا تَرْحَم..
يَبِيعُون إِربَهَا بِالدِّينَارِ والدِّرْهَم..
وفي رُكْنِ الشَّارِعِ المَهْجُور..
الغَائِصِ في البُؤسِ والدَّيْجُور..
تُوأَدُ آلافُ الأَحْلَام..
يُنْفَى منْهَا العِزُّ وَالغَرَام..
وَتَغْرِسُ فِي خَوَاطِرَهَا آلافَ الأوْهَام
فالحَاكِمُ الأعْظمُ.. جَلالةُ السُّلْطَان..
سَيُعِيدُ السَّكِينَةَ.. سَيُرَمِّمُ الأرْحَام
ويُعِيدُ رَسْمَ الوَطَن..

*******************
2- تصنيف العمل الأدبي :
هذه الأبيات الجريئة من كتابات الأدب النسائي لشاعرة جزائرية مرموقة لا يمكن تصنيفها بأى حال إلا قصيدة نثرية من العيار الثقيل فهى أرقى بكثير جدًّا من الخاطرة وإن جاءت بعض أبياتها أو كلماتها على وزن الرجز فالشاعرة قصدت النثرية قصدًا وذلك منهج متبع عندها؛ لأن الوزن (البحر) والتقفية يضيِّعَان منها المعانى الساحرية التى تقصدها فهى تلجأ للنثر قصدًا وتستند على الإيقاع والموسيقى الداخلية الخفيفة، فالشاعرة تعتمد على انسجام الحروف وإيقاعاتها الرنانة أو العكس إيقاع الحروف وانسجاماتها الهادئة، فعند الشاعرة ربما قصيدة النثرأجمل من قصيدة الشعر الموزون وهذه مرحلة من المراحل الكتابية فى عمر الشاعرة.
وهنا يطرح السؤال نفسه متى تكون قصيدة النثر إذا تخلت عن الوزن بمستوى قصيدة الشعر الخليلي المقفى والموزون ؟؟ وتتجلى الإجابة على هذا السؤال إذا توافر فى قصيدة النثر أربعة عناصر رئيسة أساسية وهي : ( الإيقاع والمجاز والخيال والعاطفة)،فهذه العناصر الأربعة مجتمعة معًا فيها تعويض كافٍ وشافٍ عند الشاعرة ،وفى نفس الوقت لم تفقد الشاعرة في قصيدتها أهم عنصر فى الشعر ( الوزن ) فبديله لديها الإيقاع والانسجام والتناغم ،فموسيقى الشعر لم تفقد بالكلية عند الشاعرة ، وكذلك يعمل كل من المجاز والخيال والصور والتراكيب سواء الجزئية أو الكلية الممتدة أو المرصعة في وجود وحدة عضوية كاملة تتوائم مع وحدة الجو النفسي ، فالقصيدة مثل الكائن الحي كل عنصر من عناصرها أو كل عضومن أعضائها منسجم في مكانه ومتناغم مع غيره من الأعضاء والأشلاء الأخرى الكل يؤدي وظيفته على أجمل وأكمل وأروع وجه في إيجاز وتكثيف ولغة انزياحية معاصرة متفهمة للواقع المرئي المعاش.
3- عنوان القصيدة : ( شوارع الليل )
تلك الصورة الجزئية سواء كانت استعارة أو كناية أو تشبيه فهى تومِيء منذ الوهلة الأولى بالظلام وعوالم الخفاء المجهولة بما يحدث فيها .. فمن يمتلك ذلك العالم الخفي الذى يوحِي بالتشتت والحِيرة والضيَاع ؟هل الكلاب الضالة والقطط والقوارض؟ أم تجار الهوى والنخاسة والصنف وأصحاب العمليات المشبوهة ؟ أم اللحم المتعري لمن يدفع الثمن ؟
كلها أسئلة تصدمك بمجرد قراءة العنوان، وللإجابة على هذه الأسئلة نحتاج للكاميرا التى ترصد وترقب الصورة .. نحتاج للعين اللاقطة الثاقبة التى سترى وتترجم لنا ماتراه بانسيابية.. ، ولا شك إنها عين الشاعرة الفاحصة وقلمها الألمعى الذكى وذاكرتها الحديدية ، فالشاعرة ستقتحم ذلك العالم الخفِي بشجاعة وتنبئنا بما فيه بشجاعة نادرة، وتخبرنا عنه بصدق وأمانة ،وهذه جرأة تحسب لتجربة الشاعرة ،وخطوة للأمام فى الأدب النسائي أن يقتحم مثل هذه الموضوعات الغضة بشراسة .. فمن المؤكد أن الشاعرة وقعت تحت مؤثر ما وشاهدت ذلك فِي السينما أو وهيَ فى سيارتها تعبر إحدى الطرق في أي مدينة جزائرية غير مسماه شعبية أو حضارية راقية ، ويكأنِي أسمع الشاعرة تقول: ( والله مشاهد دامية درامية ترسبت فى نفسي أو كردة فعل لمشاهد مؤلمة موجعة تزلزلت بذاكرتي وآلمتني، وتكررت في أحياء كثيرة من عالمنا العربي، وتكدست في صدري ،فلله درك يا وطنِي).. وهذا ما يسمى أسباب مقولة القصيدة أو الجو النفسي العام للقصيدة .
4- ألفاظ القصيدة وعباراتها :
من المستحسن عند دراسة هذه القصيدة أن نقسمها لخمسة مقاطع أو محاور رئيسة ؛ حتى تكون كرحلة سهلة أو بالغة الصعوبة بيانها كالتالي :
* المقطع الأول مقطع الاستعداد للرحلة :
أمتطي صهوة الشجن..)
أتيه في أرصفة الليل..
وفي شوارع من قتاد ولهب..
أخطو على بقايا الزجاج المسننة والجمر
أتبع وجهك المتواري خلف الحجب
وجهك الخريفي الوسن..
وجهك الوجيف في غياهب الزمن )
يستوقفنى فى هذا المقطع سؤال هام وملحوظة وعدة كلمات أما السؤال فهو كيف تصل الشاعرة لشوارع الليل ؟ ما وسيلتها ؟ ما الذى تركبه لتصل لرحلتها المنشودة ؟ تجيب الشاعرة بنفسها عن هذا السؤال الحيوي وتقول : أمتطي صهوة الشجن باستخدام الفعل المضارع ( امتطي ) الذى يوحي فى طياته بالتتابع والتجدد والاستمرار واستحضار الصورة فى الذهن،ومثله مثل بقية الأفعال المضارعة الخمسة والثلاثين (35) فى القصيدة مما يوحى بأن الشاعرة قررت وكررت الذهاب لهذه الرحلة بحزن وشجن وتيه وتشتت وضياع وتفرق بوجع الطفلة التي تسكن روح الشاعرة .. تلك الروح المواجهة لكل الصفقات والخلايا المشبوهة التى تعقد فى الليل ، ولذلك لم تستخدم الشاعرة لفظ ( أتوه أو آتي في أرصفة الليل) فى البيت الثاني ، ولكنها وظفت لفظًا آخر يدل على الحيرة والضياع والفقدان والضلال وهو ( أتيه فى أرصفة الليل .. وفي شوارعَ من قتادٍ ولهب ) فيخطىء من يظن أن اللفظ (أتيه ) من الفخر وللعودة لمعاجم اللغة العربية تبين لنا صدق ذلك، وظهرالفرق بين ( توه.. وتاه وتيه ) على هذا النحو: فى القرأن الكريم نجد: ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) سورة المائدة۞ ). وفى معاجم اللغة نجد :
تَيَّهَ: (فعل)
تيَّهَ يُتيِّه ، تَتْييهًا ، فهو مُتَيِّه ، والمفعول مُتَيَّه
تَيَّهَهُ عَنْ عَمْدٍ : أَضَلَّهُ ، ضَيَّعَهُ
تَيَّهَ نَفْسَهُ : حَيَّرَها ، أوْ أَهْلَكَها
تاه: (فعل)
تاه تَيْهاً ، وتِيهاً ، وتَيَهانًا تَوْهًا وتَوَهَانًا ، فهو تائهٌ ، وتَيَاهٌ ، وتَيْهانٌ ، وتَيَّهانٌ ، وتَيِّهانٌ
تاه : تكبَّر
تاه في الأَرض : ضلَّ وذهب متحيِّرًا ، المائدة آية
يَتِيهُ مِنْ حِينٍ لآخَرَ : يَشْرُدُ خَيالُهُ ، يَضْطَرِبُ عَقْلُهُ
تَاهَ فِي مَشْيِهِ : تَكَبَّرَ….وهُوَ في تيهٍ : في ضَلالٍ
توه
” التَّوْهُ : لغة في التِّيهِ ، وهو الهَلاكُ ، وقيل : الذهاب ، وقد تاهَ يتُوهُ ويَتِيهُ تَوْهًا هَلَك .
قال ابن سيده : وإِنما ذكرت هنا يتِيهُ وإِن كانت يائية اللفظ لأَن ياءها واو ، بدليل قولهم ما أَتْوَهَهُ في ما أَتْيَهه ، والقول فيه كالقول في طاحَ يَطِيحُ .
قال أَبو زيد :، قال لي رجل من بني كلاب أَلْقَيْتَنِي في التُّوهِ : يريد التِّيهَ، وتَوّهَ نفسَه: أَهلكها،وما أَتْوَهَه .
قال ابن سيده : ( فتاهُ يتيهُ ، على هذا ، فَعِلَ يَفْعِلُ عند سيبويه) .. نقلًا من (المعجم : لسان العرب).. .
الملحوظة الهامة : ولقد لجأت للمعجم اللغوي ؛ لأن هذا اللفظ فى القصيدة كما يقولون : (مربط الفرس ..الركن الركين .. جملة المفتاح في القصيدة )، وسوف يتكرر هذا اللفظ ( يتيه ) برمته كما هو، ويبدأ به المقطع الثاني فهو لفظ مهم للغاية تبنى القصيدة كلها عليه، ويفصل بين المقطع الأول والثاني وله دلا لته وله أهميته..
بالتالي سنجد الشاعرة ،وإن تاهت وتحيرت وذهلت مما رأته فى شوارع الليل وعلى أرصفته سنجدها تثبت بعد ذلك وتتريث وتشغل كاميراتها وعينها اللاقطة خصوصًا بعدما خبت نار القتاد والشوك والهشيم وصفا اللهب.. سنجد الشاعرة ستخطو على زجاجٍ متكسرله شظايا وأسنة كالرماح تمزق الأرجل الحافية ،وجمر أحمر ملتهب متقد متأجج يحرق الأقدام القادمة .. فنسمعها تقول : ( أخطو على بقايا الزجاج المسننة والجمر ) لماذا كل هذا ؟؟ إنها تبحث عن وجه حبيب مجهول هو فى حد ذاته (وطن) نسق قريب دافىء لمشاعرها المتحيرة، وإذا وجدت هذا الحبيب المجهول الخائف المترقب الذى هو في طي اسرار الكتمان ولا نعرف عنه إلا ما أخبرتنا بها الشاعرة في القصيدة.. سوف تسأله عن نسق أكبر مختلف وهو (الوطن الكبير) لماذا أصبح الوطن كشوارع الليل ؟؟ وأكدت على هذا المعنى، وكررت لفظ الوجه ثلاث مرات (وجهك المتواري) خلف الحجب ،(وجهك الخريفي) الوسن ،(وجهك الوجيف) في غياهب الزمن ..مرة يتوراى ربما خجلًا .. ومرة أخذته سنة من النوم ربما من السهر والتعب، وعلينا أن نلاحظ الزمن في الخريف حيث تساقط أوراق الشجر ،وصارت الشوارع ذاتها عارية من الظلال وكأننا أمام حقيقة عارية لا جدال فيها ولا شك ولا لبس .. وثالثة وجهه وهو خائف وجيف يترقب ماذا سيحدث من غياهب الزمن ؟ وهذا يذكرني بقصة سيدنا موسى حينما وكز سيدنا موسى المصري الفرعوني فقضى عليه وخرج من المدينة خائفًا يترقب وهرب إلى مدين ( أنظر آيات سورة القصص من 15 الى 21 ) ،والشاعرة موفقة في صور الوجه الثلاثة وبالذات في كلمة (غياهب) التى تؤكد المجهول والمصير المحتوم .. ثم أخيرًا تصل الشاعرة لمبتغاها في المقطع الثاني من القصيدة ..
* المقطع الثاني من القصيدة مقطع السراب :
أتيه خلف السراب..)
أقف على العتبات والأبواب
أسأل عن الخلان والأحباب..
وأسأل عن وطن..
يرجع نشيج صوتي كالنحيب…)
فالشاعرة وجدت نفسها الآن بعدما تاهت وتحيرت وضاعت وضلت خلف الوهم والسراب هي خلف السراب وحدها تبكي كمُغَنِّي يتحشرج صوته وتتقطع أنفاسه.. هى تقف الآن على الأبواب والعتبات فهل سيجيبها أحد ؟ ومن سيرد عليها سؤلها ؟؟ نسمعها تقول : (أقف على العتبات والأبواب أسأل عن الخلان والأحباب وأسأل عن وطن ) لن تجد إجابة من أحد غير صوتها المتهدج وأنفاسها المتقطعة التى ترجع صوتها مثل الصدى فى حزن وحسرة وألم تقول : ( يرجع نشيج صوتي كالنحيب )..وليتها قالت : ( يتحشرج نشيج صوتي كالنحيب ) لكان اهون وأيسر ؛ ولكنها أرادت (يرجع) ليتوافق مع الصدى والمدى… وجدير هنا أن نستفسرُ عن شيئين أولهما لفظ الشاعرة (أقف على العتبات والأبواب) من المعلوم أن الإنسان يمكنه الوقوف على العتبات لا ضير في ذلك ؛ لكن كيف يمكنه الوقوف على الأبواب ؟ هل سيكسر الباب ويقف عليه ؟ أم يتسلقه كالسلم ويصعد عليه ثم يقف عليه ؟ سنجد أنفسنا أمام محذوف من الكلمات وهو لفظ (أمام) كالتالي : (أقف على العتبات وأمام الأبواب) وهذه الظاهرة تسمى (المجاز العقلي) أو ما يسمى (مجاز لغوي بالحذف) فالمجاز العقلي طريق من طرق التوسع في اللغة، وفن من فنون البلاغة، له شأن رفيع ومنزلة عظيمة، ولذلك اهتم به البلاغيون وعلى رأسهم الإمام عبد القاهر الجرجاني .. ، وكذلك مثل قول أحمد شوقي فى منفاه بالأندلس في قصيدة (غربة وحنين) فى معارضته ل سينية البحتري) فى خطابه للمثنى : (سلا مصر) والمقصود (سلا أهل مصر) بغض النظر عن الاستعارة، وكذلك مثل قول الله تعالي فى سورة يوسف الأية82 : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) ( اسأل القرية ) أي ( اسأل أهل القرية ) وبغض النظر عن المجاز المرسل الذى علاقته المحلية أو المكانية فقد ذكر القرية وأراد أهلها القاعدة تقول : ( كل ما يعلم يجوز ويمكن حذفه.. )، هنا الشاعرةهنا يائشة تبحث عن الحبيب تبحث عن الوطن الذي لم تنعم بلقائه وتراه ولا تجده (كما البلاد المحجوبة) ، فالشاعرة إن وجدته ستسأله عن الوطن وطنها المُغَيَّب ُ عنها الذي لاتجد فيه وجه حبيبها المشرق لتسأله عن أشياء تخصها. وثانيهما : مالفرق بين النشيج والنحيب حتى يكونا طرفي للتشبيه ؟ وأيهما أقوى ليكون مشبهًا وأيهما أبرز ليكون مشبهًا به ؟ الشبه في المشبه به أبرز وأعرف، وأقوى منه في المشبه .
النشيج : (اسم صوت الإنسان المرتفع المتردد عند الدمع والبكاء من غيرانتحاب ويصدرمن الصدر).
النَّحْبُ والنَّحِـيبُ : رَفْعُ الصَّوتِ بالبكاءِ، وهوصوت السعال المعلن المتكرر .. (وفي المحكم لابن سيدة : أَشدُّ البكاءِ هو النحيب)، فهما غير متسويين ، وعليه تكون الشاعرة موفقة فى صورتها الجزئية (التشبيه ) النشيج بالنحيب وتشبيه ليدل على مرارة وقسوة الألم وهنا استخدمت الشاعرة ..( Phonetics(علم الصوتيات أوالأصوات،وهذا يحسب للشاعرة ويدل على مدى اتساع ثقافتها، وتركيزها في تشكيل وبناء، مقطع القصيدة فالمكسب أن صوت الألم لم يعد مكتومًا في الصدر بل صار نحيبًا يسمع ويتردد بعنف أشد فهو مبلغ الألم ومنتهاه.. ،وجدير بالذكر أن الشاعرة استخدمت (العتبات والأبواب) و(الخلان والأحباب) و(النشيج والنحيب) لدلالة التوكيد والتنويع والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هل ستظل الشاعرة واقفة تستجدي على العتبات والأبواب ؟ أم ماذا ستفعل ؟ هذا ما يجيبنا عنه المقطع الأتي
المقطع الثالث من القصيدة مقطع الوصف :
( أنظر حولي.. أتفرس في المدى
في مرايا الصدى
شوارع الليل رهيبة..
ترتجف من قرها الأجساد السليبة
وتلك الوجوه المكدودة الكئيبة
تلك الوجوه العطشى لقطرة مزن
وتلك البطون الخاوية تئن..
تستجدي الخبز والكرامة..
وتسأل رحمة قلوب غلفها الجفاف والجفاء والعفن
تستعطف أصناما من صقيع ورخام
وعيونها كالجمرات تبرق في الظلام
فيتصاعد من أنفاسها الشرر والذخان
لكنها تتوق للإبتسامة.. للمودة والسلام
غريبة شوارع الليل..
مقيتة هي شوارع الليل..
يباع فيها الحب على الأرصفة كالطعام
وتبتاع فيها الشهرة والأحلام
وتعربد على مشارفها أيادي الإجرام )
ولنا عدة ملاحظات على هذا المقطع منها : التضاد بين ( يباع وتبتاع ) و (يبرق والظلام) و(الخبز والكرامة) و(الجوع أو البطون الخاوية والطعام )، (العطشى) و(قطرة مزن) لتوضيح وتوكيد الفكرة وترسيخها في الذهن، ومنها استخدام اسم الجنس (الجمر) فى المقطع الأول الذى يفيد نفس النوع، وجمع المؤنث السالم ( الجمرات ) الذي يفيد القلة وذلك للتوكيد على شدة وقلة اللهب، وكذلك الترادف بين ( الظلام والديجور والمعتم )،و(تستعطف وتستجدي وتسأل )الرحمة، وكذلك (الذل والهوان )(الحاكم الأعظم وجلالة السلطان )،(الأجساد والأجسام )، وكذلك الجناس الناقص بين (الإجرام والأحلام) و(المدى والصدى)،و(تبرق وتتوق )،و(السليبة والكئيبة)، و(الأرحام و الأحلام)،(الجفاء والجفاف) ، وباستخدام المصدر والفعل في (الرميم وسيرمم)،(فُتَات و تَقتات)… وغيرها لتعطي جرسًا موسيقيا تستريح له الأذن ، وتشد انتباه القاريء أوالسامع ،وكذلك الترتيب المنطقي والتسلسل العللي السبب والنتيجة والتوضيح في ذكر الشاعرة لكلمات مثل (الشرر وما ينتج عنه من اللهب والدخان) وكذلك العطف الذي يفيد التوضيح في (أنظر وأتفرس) و (المودة والسلام) وكذلك لجات الشاعرة لظاهرة (التكرار) وما ينتج عنها من توكيد فِقد ذكرت (شوارع الليل) أربع مرات غير العنوان واحدة فى المقطع الأول وثلاثة بعد ذلك فى المقطع الرابع ؛ لأنه عنوان القصيدة وموضوعها مع صيغة (فعيلة) المكررة ثلاثة مرات فى قول الشاعرة (مقيتة وغريبة ورهيبة) ثم كررت لفظ (آلاف) مرتين،وكررت لفظ (الشارع) مرتين ،والفعل المعتل الناقص (تخشى) مرتين لتأكيد الخوف في مقابل الفعل الصحيح المهموز (أسألُ) مرتين ،والفعل المضارع (يعيد) مرتين أحدهما بسين الاستقبال ،ولفظ (الأحلام) مكررة مرتين ،وظرف المكان (خلف) مكررة مرتين ، وعبارة( في ركن الشارع ) مكررة مرتين.. مرة مع المهجور ومرة مع المعتم، ولفظ (تلك) ثلاث مرات ،وكذلك كررت كلمة (الوجوه) مرتين مرة (الوجوه العطشى) ومرة (الوجوه المكدودة) بلفظ الجمع وقبلها ذكرت (وجهك) المعرفة بالضمير كاف الخطاب وهى تخاطب حبيبها مفردًا ثلاث مرات فى المقطع الأول، وكذلك كررت الشاعرة لفظ (يُباع -تُبتاع – تبيع – يبيعون) لتوكيد تجارة النخاسة، وبيع الأعضاء سواء بالمتعة او بالشهوة وذلك منافٍ للفطرة العربية (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها) يعنى لا تؤجر ثدييها في الرضاعة فذلك مسبة وعار.. ،وقصة المثل معروفة بين الزباء والحارث (انظر مجمع الامثال للميداني).
المقطع الرابع من القصيدة : (مقطع الصبيَّة) نسمع الشاعرة تقول :
(وتلك الصبيَّة تبرجت في شوارع الليل
تبيع الهوى والعفة…
لتقتات الفتاة من فحيح الأجسام
وهناك.. بقايا رميم.. وجلد وعظام..
تتكدس في ركن الشارع المعتم
قد هدها الذل والوهن..
تخشى المخفر والأصفاد والسياط..
وتخشى تجار النخاسة اللئام..
خناجرهم لا ترحم..
يبيعون إربها بالدينار والدرهم..
وفي ركن الشارع المهجور..
الغائص في البؤس والديجور..
توأد آلاف الأحلام..
ينفى منها العز والغرام ..
وتغرس في خواطرها آلاف الأوهام

وهذا المقطع ظهر فيه مايسمى (اللزوميات) فإذا ذكرت الشاعرة لفظ لزم عنه لفظ آخر أوجاءت بلفظ آخر ينعته أويعطفه ويوضحه أو يؤكده وطهر مايسمى علاقات الألفاظ ببعضها هل هى علاقات حضور أم علاقات غياب ؟ أم علاقات أفقية أم رأسية شاقولية ؟ فى ثنائيات وتراكيب عجيبة تحسب للشاعرة حتى فى الأفعال (ترسم وتعيد).. فنذكرعلى سبيل المثال لا الحصر أن الشاعرة ذكرت كلمة (الخواطر) فلزم عنها (الأوهام) ذكرت (الع) فنتج منه (الغرام) وأتت بالمضاد (الذل) وذكرت (الذل) وعطفت (الهوان)،وأتت بكلمة (الشارع) فنتج عنه أو نعتته أنه (المهجور) وأنه (المعتم) ،ذكرت (تجار النخاسة) فوصفتهم (اللئام)، وذكرت (الدينار) فعطفت ب(الدرهم) ذكرت (الأصفاد) فعطفت ب(السياط) ذكرت خناجرهم فأخبرت أو أسندت (لا ترحم) ذكرت (الأجسام) بالإجمال وفصلت ب( الرميم ) و(الجلد) و(العظام) ،ذكرت الشاعرة (العفة) فأتت بالمضاد (الهوى)، وذكرت لفظ (تقتات)، وسبقته قبل ذلك (بعطشى) ،و (المدى) و(الصدى)، وكذلك ذكرت (الخلان) وعطفت وأردفت ب(الأحباب)، وكذلك ( النشيج) وشابهت ب(النحيب) و(البؤس والديجور)، و(الخبز والكرامة )،و(مودة وسلام)،و(الشهرة ) و(الأحلام ) ،و(شرر) جمعًا (ودخان) مفردًا ، و(شوارع) جمعًا و(الليل) مفردًا ..و(سيعيد السكينة ) و(سيرمم الأرحام ).. ، وكلها ثنائيات عجيبة … ،وهكذا صنعت الشاعرة معجمًا خاصًا بها من الألفاظ المكررة والمعطوفة والمضادة والموصوفة والمشابهة والمتقاربة والمكررة والمفردة والمجموعة ووالمجملة والمفصلة والمتجانسة وغيرها .. وهذا إن دل على شىء فإن علاقات هذه الألفاظ المتشاكلة تدل على غياب (العدالة الاجتماعية)، وعدم توزيع ثروات الوطن ومقدراته وثماراته بالتساوى والإنصاف على أفراده كل منهم حسب قدراته وعمله ومكانته ، وغياب (العدل السياسي) ووغياب قاعدة (أصول الحكم) ومايسمى ب(قاعدة العدل اللإلهي) … ،ولذلك ذكرت لنا الشاعرة في قصيدتها حقائق واضحة للعيان مثل غياب مبدأ العدل والحرية والمساواة ، وما يتبعه بالضرورة من يأس وذل وهوان ونقص، وفقدان أمل واضطراب فى المجتمع وحيرة وضياع وتمزق وتشتت وفوضى وعدم نظام وظلم ، وخوف يعشش و يسكن قلوب معظم الناس بمختلف طوائفهم من ( بائعى الهوى وتجار النخاسة والفقراء ومرتادي شوارع الليل فى الصقيع البهيم لعقد الصفقات المشبوهة وغيرهم من ضحايا وخلايا تقبع فى ظلام الليل في عالم الخفاء .. ) ،ومن ضياع مستقبل وصف أنه معتم، وما فيه من قتل ووئد الأحلام، وظهر ذلك جليًّا فى كلمة (الصبيَّة) وما تعانيه من قسوة وآلام البغاء من تجار النخاسة ربما دون البلوغ ودون سن التكليف، ودون سن العمل ،وخرق للقوانين التي تجرم عمل الاطفال ،وعدم قتل البراءة فيهم (انظر إعلان مبادىء حقوق الطفل التابع للأمم المتحدة) ،وهذا هو لُب وجوهر القصيدة ماذا يحدث في شوارع الليل ؟ والشاعرة موفقة جدًّا في تعبيرها (ترتجف من قرِّها الأجساد)، فالقرُّ هو البرد القارس، فالقَرُّ : البردُ ، القَرُّ : البارد من كل شيء، ق ر ر : فعل مبنٍ للمجهول ، قرُ الرجل أصابه القرُّ أي البرد الشديد، ولم تستخدم (قرتِها) فالقُرَّة الاستقرار والسرور، فقد ورد على لسان آسية بنت مزاحم امراة فرعون قولها لفرعون عن سيدنا موسى : (قُرَّة عين لي ولك..) آية 8 من سورة القصص.. وورد على لسان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قوله فى الحديث الشريف: (قُرَّة عيني في الصلاة )
.. ومنه تنفذ الشاعرة وتصل إلى المقطع الخامس والأخير من القصيدة وهو مقطع الحاكم : الذي ستلجأ إليه ليخلصها من آلامها النفسية الذى سيعيد رسم الوطن من جديد بعدما استجدت الجميع ولم يصغِ إليها أحد ، وبعدما طالت يد الإجرام ، وبه تنهى رحلتها فنسمعها تقول : ( فالحاكم الأعظم .. جلالة السلطان
سيعيد السكينة.. سيرمم الأرحام
ويعيد رسم الوطن ) ،ويتجلى هنا الموقف السياسي موقف الحاكم من وطنه (البنية السياسية الكبرى في حكام دول الوطن العربي) والذي بيدهم مقاليد الأمور.. وهنا تضعنا الشاعرة بين أمرين لا ثالث لهما 1- أولهما : أن يكون الحاكم عادلًا ويلبي مطلبها كما طلبته فى نهاية القصيدة أنه سيعيد السكينة وسيرمم الأرحام..2- وإما الموقف الثاني موقف المفارقة موقف الضد وهو أن يكون الحاكم ظالمًا ، ولن ينفذ شيئًا مما طلبته الشاعرة ،وفي هذه الحالة سيكون كل ما طالبت به الشاعرة فى نهاية القصيدة من مطالب سيكون من باب السخرية ..
5- إحصاء الأفعال والأدوات:
أ- إحصاء الأفعال :
من المعروف أن الأفعال ثلاثة أنواع: 1- ماضٍ يفيد الثبوت والتوكيد والاستقرار..2- مضارع يفيد التجدد والتتابع والاستمرار واستحضار الصورة فى الذهن ..3- وأمر للحث والطلب والحضور والوجوب والنصح والأرشاد ، والقد استلهمت شاعرتنا في هذا النص الأفعال المضارعة(34) فعلا مثبتًا وواحدًا منفيًّا (لا ترحم) لدوام صيرورة شوارع الليلفى مجتماعتنا العربية والشرقية، وبيان هذه الأفعال كالتالي : أولًا بنسبة (14:1) هكذا(14) مضارعًا مقابل فعل واحد ماضٍ وهو (غلفها) هكذا (( امتطى – أتيه (مكرر مرتين ) – أخطو – أتبع – أقف -أسأل (مكرر مرتين ) – يرجع – أنظر – أتفرس – ترتجف – تئن- تستجدي تسأل )) وهي مسلسلة ومرتبة ترتيبًا منطقيًّاعجيبًا يتوافق مع الحالة النفسية لرحلة الشاعرة في شوارع الليل في مقابل الفعل الماضي (غلفها) ،ثانيًا: وبنفس الطريقة نجد الشاعرة حافظت على روح هذه النسبة فنجدها(7:1) هكذا (7) أفعال مضارعة في مقابل فعل ماضٍ واحد وهو (تبرجت) كالتالي : (( تستعطف :الذى هو من مترادفات (تسأل وتستجدى) فى المقطع الفائت، وكأن القصيدة كلها كل متكامل غير مفصولة عن وحدتها الشعورية حتى فى الأفعال ،- تبرق – يتصاعد – تتوق – يباع – تبتاع – تعربد)) وبنفس روح النسبة (3:1) ثلاثة أفعال مضارعة هي (تبيع – تقتات – تتكدس) في مقابل فعل ماضٍ واحد (هدها) ،وبنسبة (10:0) عشرة افعال مضارعة دون مقابل من الزمن الماضي هي: (تخشى) مكرر مرتين – (لا ترحم) منفيًّا – (يبيعون) : من الأفعال الخمسة المرفوعة بثبوت النون – (توأد) صحيح مهموز- (يبقى) معتل ناقص – (تغرس) صحيح سالم – (سيعيد) بسين الاستقبال للدلالة على المستقبل القريب – وكذلك الفعل (سيرمم) المضعف – ( يعيد) المعتل الأجوف..دون ذكر أى مقابل من الفعل الماضي مما يدل دلالة قاطعة على إصرار الكاتبة على استخدام المضارع. وجدير بالذكر أن ننوّه أن القصيدة ليس فيها أى (فعل أمر) بُتَاتًا مما يدل على عدم وجود نصح ولا إرشاد فى المجتمع الليلي أو في شوارع الليل بدليل استخدام الشاعرة للفعل المضارع (يعربد) بما فيه من قسوة وجبروت وفوضى وإرادة وسيطرة باستحكام الظلم فمن يعربد غيرالعربيد ؟ وكذلك ورد الفعل المبني للمجهول أربع مرات للدلالة على شهرة من قام بالفعل أو اتصف به كالتالي: ( يُباع – تُبتاع – تُوأد يُنفى ) ، وكلها أفعال مضارعة مضمومة الأول مفتوحة ما قبل الآخرمنها ما هو أجوف معتل الوسط، ومنها ماهو معتل ناقص معتل الآخر ومنه ماهو مهموز صحيح.
ب- إحصاء الحروف والأدوات:
ورد في القصيدة حرف الجر (في) مستحدمًا (10)عشر مرات، وحرف الجر (من) (6) ست مرات ،حرف الجر (على) (4) أربع مرات، حرف الجر (عن) (2) مرتين ،حرف الجر ( الكاف ) (2) مرتين، حرف الجر ( اللام ) (2)مرتين، وكذلك وردت حروف العطف في القصيدة كالتالي : حرف العطف (الواو) ورد في القصيدة (30) ثلاثون مرة ليدل دلالة قاطعة على سرعة الدفقات الشعورية وكأنها أمواج هادرة داخل أحاسيس ووجدان الشاعرة فالعاطفة جياشة وفيها صدق فني وفعلي ، وكذلك ورد حرف العطف (الفاء)، ( 2) مرتين لبيان التعقيب والسرعة والاستجابة،وكذلك ورد حرف (السين) الذي يدل على الاستقبال القريب ، ولم ترد (سوف) التي تدل على التسويف والاستقبال البعيد ،وكذلك ورد النفي باستخدام حرف النفي (لا ) مرة واحدة ، وكذلك ورد استخدام الضمير الغائب ( هى ) مرة واحدة للدلالة على شوارع الليل .
6- الموسيقى والقافية فِي القصيدة :
ليست موحدة بل متنوعة على حسب الحالة النفسية من الضيق والضجر للشاعرة لقتل الرتابة ولكسر أفق التوقع لدى المتلقي، وقد نجدها سريعة نونية الروي، مترادفةأو متراكبة أومتواترة النوع كما في قولها : (الشجن -الوسن -الزمن – مُزن – وطن – وهن – تئن – العفن) أو بائية الروي ( لهب – الحُجُب ) أو ميمية الروي( ترحم – درهم ) أو هادئة بطيئة باستخدام حرف العلة (الألف أوالواو أو الياء ) لدلالة وشيوع وذيوع الحزن والكآبة وقد نجدها بائية أوتائية أو ميمية أو رائية الروى لدى الشاعرة كما في قولها : ( السراب – الأبواب -الأحباب ) ، (مدى – صدى ) ، ( رهيبة – سليبة – كئيبة) ، (رخام – ظلام – سلام – طعام – أحلام -أجرام – أجسام – عظام – غرام – أوهام – أرحام )،(المهجور – الديجور) تتناسب مع السطر الشعري والدفقة الشعورية الثائرة أو الحزينة .
7- ما الجديد في القصيدة ؟؟
هل شوارع الليل أضافت لنا جديدًا ؟
1- القصيدة نفحة لمن يعيشون على هامش الحياة على الكفاف الذين هم مجرد أرقام وأكوام وأكداس الذين خلت منهم الحياة رغم اليأس ورغم تمسكهم بالحياة فهم المستضعفين والغلابة والجياع والمقهورين ، فالصبيَّة رمز لبقية الأطفال ورمز لهذه الطبقة الكادحة فى الحياة، فلا يعقل أن أجسادهم يأكلها البرد والقُرُّ وصارت رميمًا وعظامًا وجلدًا وما زال فيها الرمق لممارسة البغاء، وإنما هم ضحية في أيدي لصوص المتعة الحسية والشبق واللذة والنعيم التى صورتهم الشاعرة بثعابين تريد الطعام وإن كان العظام والجلد والرميم .
2- الجديد انهزام طبقة الصبيَّة أمام الآلام والمواجع والبرد والصقيع ، فالصبيَّة جائعة شريدة ضالة تائهة تجتاز الشوارع بلا هدى والقصيدة دللت على تأكيد حالها بتنوع وتلون الآلام والأوجاع ، ثم انتقلت الشاعرة لدائرة أكبر هى دائرة الوطن ولا غرابة في ذلك فالصورة الذهنية للوطن قد اكتملت ،فالوطن العربي كله متهالك مثل الشوارع تمامًا مثل البشر فى الليل لافرق بينهم وبين الثعابين أوالحيوانات الضالة التى تعيش على الجيفة .
3- تصل الكاتبة فى النهاية لطبقة الحاكم الذي يبيع شعار ترميم الرحم وشعار ترميم الوطن، ويسوق الأوهام ويصدرها لشعبه ، فالوطن ممزق مثل الأجسام والأجساد البالية ، فالمشهد قد تغير من الصبية لعبور طبقة الفقراء الكادحين الموجوعين لطبقة التجارالثعابين في شوارع الليل لطبقة الحكام النبلاء الميامين ومن في مستواهم فى وطن عربي كبير، وفى نسق أكبر بعيد كل البعد عن الدين، وكل معنَى فى مكانه لا يوجد تناقض لأن الوطن هو ذلك الكل المكمل المتكامل على حد قول الشاعرة ( الغائص في البؤس والديجور) فهي صورةعميقة جدًّا وموفقة فيها الشاعرة أيما توفيق ،فالجمال والعفة والطهارة والدين في مقابل الحديث عن تجار البشر الذين يصلبون الأجساد في مشهد شبيه بصلب شبيه المسيح (يهوذا) ورفع النبى (عيسى) روح الله وكلمته التى ألقاها لمريم حيًّا إلى السماء،وما صلبوه وما قتلوه ولكن شبه لهم، وما كانت أمه مريم البتول (بغيًّا) ولم يمسسها بشر( انظر سورة مريم الآيات من( 16:20) وانظر سورة النساء الآيتين ( 156:157) فى القرآن الكريم . وانظر سيرة مريم في التراجم ،وانظر إنجيل يهوذا).
4- الجديد أن الشاعرة صورت الحبيب في صورة (وطن) تفتقده لأسباب ، وتفتش عته لأسباب ولا تجد وجهه ، ولا تعرف وجهته فهى تائهة وضالة فى رحلتها ، وهذا الوطن الحبيب (مُغَيَّب خلف الحُجب)، فالشاعرة تفتش عن وطن تخاطبه فى ذاتها ، ولا تجده أشبه بقصيدة (البلاد المحجوبة) لجبران خليل جبران (يا بلاداً حُجِّبَـتْ منْذُ الأزَلْ .. كيفَ نرْجوكِ ومنْ أيْنَ السَّبيلْ
أيُّ قَفْرٍ دونهــا ؟ أيُّ جبَلْ .. سورُها العالي؟ ومنْ منَّا الدَّليلْ؟
أسرابٌ أنتِ ؟ أمْ أنْتِ الأمَلْ؟ .. في نفـوسٍ تتمنَّى المستـحيلْ؟
أمَنامٌ يتهادى في القلــوبْ .. فإذا ما اسْتيْقَظَتْ ولَّى المنـامْ؟
أمْ غيومٌ طُفْنَ في شمْسِ الغروبْ .. قبلَ أنْ يغْرقْنَ في بحْرِ الظلامْ؟
8- الخلاصة والخاتمة:
1- إن هذه القصيدةهى صرخة في وجه كل حاكم فى وجه كل طاغٍ في وجه كل تاجر أراد ان يتاجر بمقدرات الوطن أو يعبث بأبنائه الكادحين الشرفاء أو يتلاعب بشرفهم وبأرزاقهم أو يقتل جيلًا من الصبايا في البغاء فهي صورة شهرية نثرية متكاملة لشوارع الليل وعوالم الخفاء وتفضح الوطن المهترأ في الليل .
2- هذه القصيدة تعانقت فيها الأماني والحروف والإحساس وتموج بدقة التصوير النفسي الممزوج بالوصف الموضوعي فالقصيدة منتهى الألم والوجع والتشتت والضياع والحيرة.
3- هذه القصيدة مليئة ومفعمة بالروح الدافئة للشاعرة الطفلة الصبية التى لا تكبر بداخلها ويظهر ذلك في كل شرايين وعروق القصيدة
4-هذه القصيدة فيها كثير من المشاهدات التى وقفت عليها الشاعرة بنفسها وهذه المشاهدات زادت في الآونة الأخيرة في جل مجتمعنا العربي مما يجعلها ظاهرة تستحق جدية الدراسة.
…………………………………….
**الناقد الأدبي : معروف صلاح أحمد شاعر الفردوس – القاهرة – مصر.

رابط مختصر