أدبفنون و ثقافةكتاب و مقالات

بعلبكى…. وضوء الحلم

رئيس التحرير

الاعلامى سمير المسلمانى

عن قصيدة السيد سايكس للناقد احمد احمد

وهى من تأليف الشاعر المسرحى الكبير

د. عبد الكريم بعلبكى عن قصيدة ضوء الحلم

ـــــــــــــــــــــــــــــ ضوءُ الحلمِ ـــــــــــــــــــــــــــ عَصَفَتْ بيَ الذِّكْرَياتُ أنينَ مسافرةٍ تَرَجَّلَتْ المفازات نَفيرَ مدى نَثَرَتْ مناديلَ الهُطولِ نهراً ضبابياًّ اخْتَرَقَ البِداية حتّى النّهايةِ وما زالتْ ثِمارُ الرَّبيعِ وهماً في عيونِ المَشاعِرِ ** آه يا مواسمَ الحالِمينَ يا خُيوطَ العنكبوتِ يا صمتاً حاصَرَتْهُ طًبولُ الوافدينَ يا حلُماً حَمَلَتْهُ الأمواجُ السَّكْرى القاربُ أخْطًأَ المَرافئ تعِبَ الشِّراعُ * الرّذاذُ بادلَ أنسامَ اليومِ سعير الجاهليّةِ * ابتِساماتٌ نَشْوى ضَحِكاتٌ جذْلى وُجوهٌ تَتَماوَجُ بالحَنينِ تتساقطُ شُهُباً عاشقةٍ جداول ضوءٍ تَطْفو فَوْقَ البراعمِ حَبّاً عارياً ارْتَعَشَ فُجرُ الصُّبْحِ زُهور ليمون غسلَتْهُ خَيْباتُ الأملِ * ها هو الإبهام يَغْرُزُ جَسَدَ الوردِ على نوافذِ العمرِ يَسْتَرْجِعُ ذكريات الخيبةِ تقسيم أشلاءٍ حدود قلبٍ ** رشَّت الشَّمْسُ غروبَها الشَّرْقيِّ داعَبَها السّيِّدُ سايكس لثمَ أعناقَ الزَّهرِ زَرَعَ أسلاكَهُ الشّائِكَةِ ابْتَلَعَ ضوءَ الحلمِ * تأمّلَ الوعد سيقانَ السَّنابِلِ وما زالَ يلوّحُ بتضاريسٍ جديدةٍ الصدورُ عارية المشيبِ يعانقها البلفور مزهوا يمخر عباب الخلايا المدى.. سارَ غمرَ عتبات الظِّلِّ بدأتْ المزاميرُ بترتيلِ سيمفونية قصبِ المنافي ** ============================= دراسة نقدية احترافية للناقد( أحمد أحمد ) على قصيدة ” السيد سايكس ” للشاعر المسرحي عبدالكريم بعلبكي لا يكون المرؤ شاعرا إلا إذا كان ابن وطنه… يشعر بنبض روحه متعلقا به، لا يصور ما يراه فهو ليس مؤرخا يوثق وقائع، بل يحمل الوطن هوية وقضية وانتصارا… يحمله أملا وسعادة وغدا مزهرا عطرا وعطر السماء… وشاعرنا يتناول الوطن بكليته، الوطن العربي، مشخصا التآمر عليه، وما يخطط المتآمرون… يكتب لنا الشاعر عنوانين… الأول ليذكرنا بأن التآمر على الوطن العربي ليس ابن اليوم والأمس القريب… فهذا (السيد سايكس) الجديد يكمل دور سايكس الذي لم يكن قد اكتمل… والعنوان الثاني (ضوءُ الحلمِ)، فنحن نعيش الحلم الذي أضاء لنا ففرحنا وسعدنا وترقبناه طويلا، لكنه ليس بأكثر من حلم، ضوؤه حلم، وأمله حلم وبركاته حلم، بدأ شعبنا يستيقظ منه… لكن البعض فرح به، فقد حملته موجة (تسونامي) إلى قمة ما كان ليحلم بها. يتحدث شاعرنا عن ذاكرته لوطن كان يوما يمتد من المحيط إلى الخليج، كان مهبط الديانات ومنبع الحضارات… يقول: (عَصَفَتْ بيَ الذِّكْرَياتُ أنينَ مسافرةٍ(… والعصف يحمل قوة وعنفا وتمزيقا وتبديدا… فالذكريات كانت مؤلمة تعود به إلى سايكس بيكو الأولى، عندما اتفق الفرنسيون والإنجليز على تقسيم الوطن العربي… فهي ذكريات لا تهدأ ولا تجلب له الهدوء والسكينة، بل أنين مسافرة، و(أنين) نصبت إما على الحال رغم كونها نكرة غير محضة لإضافتها إلى نكرة، أو على نزع الخافض فأصلها (كأنين مسافرة)، فحذف حرف الجر ونصبها على نزع الخافض، وأنا إلى الحال أميل، رغم جواز الثانية فقد عصفت به وهي مسافرة بين آلام الماضي الذي لم ينسَ ولن ينسى… فقد تعلمنا من التاريخ… رغم أن الكثيرين ما زالوا ينسون أو يتناسون الماضي فيعتقدون أن (سايكس) اليوم حمل وديع يختلف عن سايكس الماضي… ويكمل: (تَرَجَّلَتْ المفازات نَفيرَ مدى( وللمفازات معانٍ مختلفة بل وأحيانا متناقضة فهي (الفوز والانتصار والنجاة)، وهي (البرية والقفر والصحراء والمهلكة)، فأيها كان مقصده؟ من التي ترجلت النجاة أم الهلاك…. ولأن النص غير مشكول توقفنا أيضا عند (مدى)… هل هي بفتح الميم، أم بضمها… هل هي (المسافة) أم (السكاكين) هل الانتصارات ترجلت؟ ومتى كتب التاريخ لنا انتصارات، آخر انتصاراتنا كانت الفتوحات الإسلامية… فهل ذكرى الانتصارات ترجلت، وتركت خيولها ترعى في أرض الهزائم، أم ترجل الهلاك ليسكن أرضنا، ويقيم فيها موطنا له؟ وهل النفير نفير المسافات التي تمزقت بسايكس الأول، أم ترجل نفير المُدى؟ فما عدنا نقاتل قوى الشر الغازية، وأصبحنا نستقبلها ونهلل لها ونسكنها القلوب والعقول والأرض… وفي الحالين تشعر بألم الذكريات وألم يتمنى الشاعر أن يخلص منه، لكن لا مؤشرات على ذلك… ويكمل أديبنا ومفكرنا: (نَثَرَتْ مناديلَ الهُطولِ نهراً ضبابياًّ، اخْتَرَقَ البِداية حتّى النّهايةِ، وما زالتْ ثِمارُ الرَّبيعِ وهماً في عيونِ المَشاعِرِ)، جلبت الذكريات كل ما لديها ونثرته في النفس مناديل مطر… تسكب ما خزنت الذاكرة من أحداث ووقائع… لكن مطرها يشكل نهرا ضبابيا، لونا باهتا لا منيرا ولا معتما، لون الحيرة والتيه والضياع… لون لا وضوح فيه للفكر أو للرؤية، نهر من الضباب وحضور الغياب غطى مساحات الذاكرة، وامتد إلى الواقع… فهل ما يعيشه العالم العربي اليوم انتصار أم هزيمة، أم انتصار بطعم الهزيمة، أم هزيمة مطلية بوهم الانتصار… أي ضياع نعيش؟ انتصرنا وصفقنا وحملنا النصر إلى قصر الحكم، فإذا بنا نحمل أكفاننا إلى الموت!!! ما الذي يحدث في ربيعنا؟ هل هو فعلا ربيع؟!! ومن المحرك الخفي للربيع، هل الشعوب العربية، أم كنا ننفذ حلقات في برنامج كنا نقوم بدور (الكمبارس) فيه؟ فليس منا كاتب السيناريو والحوار، ولا منا المخرج، ولا الأبطال، كنا فقط ننفذ ما طلب منا أن ننفذه… ما أسوأ تكثف الضباب على العقول فتغيب الرؤية… ويعبر عن ذلك شاعرنا بقوله: (آه يا مواسمَ الحالِمينَ، يا خُيوطَ العنكبوتِ، يا صمتاً حاصَرَتْهُ طًبولُ الوافدينَ، يا حلُماً حَمَلَتْهُ الأمواجُ السَّكْرى، القاربُ أخْطًأَ المَرافئ … تعِبَ الشِّراعُ) فيتأوه متألما متحسرا على أحلام اعتقدوها تحققت وأثمرت ونضجت وإذا بها تختطف قبل أن يحين حصادها… فآه يا مواسم الحالمين لم تتحقق أحلامهم ولم يحصدوا حرية وعادلة وعملا وكرامة!! وآه يا خيوط العنكبوت وإن أوهى البيوت بيت العنكبوت… وبيوتنا كانت أوهى من أن تسترنا أو تستر خيبتنا وفشلنا وتراجعنا وربيع حلمنا به فتساقطت أوراقه خريفا… وآه يا صمتا رغم صمته، وربما عندما أراد الانطلاق والتعبير… حاصرته قوى طبول الوافدين، والطبول ضجيج يعلو على صوته لو كان يتحدث، فكيف سيكون علوها عن صمته؟!! ستسكت حتى صمته… وسيرتد صمته لداخلها ليبني قلاعا من الصمت لا تنهد ولا تهزم، والوافدون ليسوا أهل البلد، فحتى من يسكتنا ليست التيارات الأخرى بل القوى الخارجية، رغم أنه تسكتنا بالتيارات الداخلية، لا تتعجب إن رأيت سايكس يدفع للجانبين أموالا ليحتدم الصراع فيضعف الطرفان، وتنتصر الهزيمة!!! كان الخلاص والحرية والعدل حلما حملته أجساد ومشاعر أسكرها عطر الربيع المزعوم، وتحركت تستقبل أمطار الحرية التي جاءت لتخصب الأرض نورا وعملا وعدالة وإخاء… وأنارت كل مناراتها تستقبل مراكب ومواكب النصر… لكن قارب الانتصار ضل الطريق وأخطأ كل المرافئ، ولم تجذبه المنارات، فقد كان مبرمجا إلكترونيا على الضياع… تحرك وسار وأبحر وضل الطريق حتى انهكت قواه… فآه على شعب لم يعرف أين يبحر لا يحمل بوصلة تقاوم التيار… ويعطينا شاعرنا جرعة وعي (الرّذاذُ بادلَ أنسامَ اليومِ سعير الجاهليّةِ)… والرذاذ رغم قلته وضعفه غير حال أيامنا، وأغلق بالقفل أحلامنا، واستبدل نسيم الحرية الذي تسرب للروح، بسعير الجاهلية، وفي الجاهلية تتغلب العاطفة على العقل، فتحرق بنيرانها الطرفين ويبقون في صراع داحس والغبراء قرونا… فهل لنا بـ (الحارث بن عوف وهرم بن سنان) يأخذا على عاتقهما تجميع ما تمزق؟؟؟ ويكمل واصفا فرحة المنتصر بما أنجز (ابتِساماتٌ نَشْوى… ضَحِكاتٌ جذْلى… وُجوهٌ تَتَماوَجُ بالحَنينِ… تتساقطُ شُهُباً عاشقةٍ… جداول ضوءٍ، تَطْفو فَوْقَ البراعمِ حَبّاً عارياً، ارْتَعَشَ فُجرُ الصُّبْحِ زُهور ليمون)، فالابتسامات نشوى أو تعكس نشوة المنتصر، فالشاعر يتحدث عن الحالة النفسية التي تستمر على طول عبارته، وتتطور الابتسامات إلى ضحكات جذلى، فقد سرى فيها الانتشاء فما عادت قادرة على ضبط مشاعرها… وتعلوا الموجة فتتماوج الوجوه بالحنين… والتماوج ارتفاع وانخفاض، فبين كل موجة وموجة انخفاض… لكنني لا أعتقد أن شاعرنا قصد التقطع بقدر ما قصد التتابع والتتالي… فالحنين يشدها بالأشواق الملتهبة لتتساقط شهبا عاشقة… والتساقط سقوط متواصل ومتجزئ… فهو تهالك وانهيار… تأخذها النشوة والحنين والشوق فتفقد اتزانها…فتتساقط شهبا تنير وتحترق… وللتعبير دلالات كثيرة… وفي تساقطها تنير جداول عشق وحبا عارية… ويرتعش فجر الصبح في قمة انتشائه وتلذذه… هذا الوصف المنتشي بالسعادة الجذل بما حقق وصف لمن؟ هل هو وصف للشعب بما أنجز وحقق من انتصارات، أم لمخرج الموقف من إجادة الممثلين وإتقانهم الرائع لأدوارهم؟ كان يمكن للعبارة أن تصلح للمتوهم انتصارا قد أنجزه وسكر به، ولمن وقف خلف هذا الإنجاز، وخطط له، لولا عبارته (غسلته خيبات الأمل)، فنتوجه لمن انتشى بوهم الانتصار وحلق في سماء فرحة كانت سرابا، ونجما لا يهتدى به، ونورا بلون العتمة، وسكرا بطعم الموت… فكل هذا الفرح المنتشي بزهور الربيع وعبق رائحته، تبين أنه ربيعا صناعيا… ورده صناعي وعطره صناعي ووجوده زائف… فلم يحقق ربيعنا للمواطن ما يصبو إليه… كل فرحه غسل بالخيبة فذاب وتساقط عن الجسد الذي تعرى من وجوده… ويكمل أديبنا ذو النظرة الثاقبة: (ها هو الإبهام يَغْرُزُ جَسَدَ الوردِ على نوافذِ العمرِ، يَسْتَرْجِعُ ذكريات الخيبةِ، تقسيم أشلاءٍ… حدود قلبٍ( والإبهام قد يكون أصبع اليد، وقد يكون الغموض، وكلاهما يصلح برؤيتين مختلفتين، ونتيجة واحدة هتك للجمال وتأكيد للخيبة… وجميل أن يغرز جسد الورد على نوافذ العمر… ففيه أمل في مستقبل واعد… إلا إذا كان الجسد جثة تعلن نهاية الحلم العربي، والغرز عمل عنيف وقوي… فهو ليس غرسا ليعطينا أملا، بل غرزا يمنحنا ألما… فهل هو يشنق الورد الحلم على مشانق نوافذ العمر؟ يثبته بالغرز ليبقى وهما نعيشه… وهل الورد وغرز الورد يعيد لذاكرتنا ما مر بنا من سجل خيبات طال ولا نهاية واضحة له… وهل تقسيم أشلاء تعود للورد الممزق على نوافذ العمر… ونوافذ العمر مدخلاته فمنها ندرك الحقيقة ومنها قد يدخل (فيرس) الكذب والغش والخديعة.. وينتقل بنا إلى نهاية حلمنا (رشَّت الشَّمْسُ غروبَها الشَّرْقيِّ، داعَبَها السّيِّدُ سايكس، لثمَ أعناقَ الزَّهرِ… زَرَعَ أسلاكَهُ الشّائِكَةِ… ابْتَلَعَ ضوءَ الحلمِ)… والرش… نثر خفيف للماء واستعير هنا لغروب الشمس التدريجي واللين بحيث لا يثير مخاوف الناس… فانسحب نور الشمس المنتظر (الحرية والعدالة والكرامة والعمل والسكن و….) انسحبت كلها تدريجيا… من نهار الشرق… وغربت الشمس عن المشرق… دون أن تحقق ما وعدت به … كم كان شاعرنا موفقا في تعبيره (غروبها الشرقي)… فهي لم تغرب في الشرق بل غربت عنه، وتركته بلا نور ولا طريق بل ضباب يتلوه ضباب… نعم هنا برز المخرج وكاتب السيناريو (سايكس) الجديد ليبارك هذا الانحدار، هذا الانتصار المهزوم… ويزرع أسلاكه الشائكة الجديدة التي تقسم المقسم وتجزئ المجزأ ليصبح كل قطر أقطار… بل زرع الانفصال داخل البيت الواحد، لتعم الفوضى الخلاقة بل الخناقة… ويبتله ضوء الحلم ويعم الظلام… والهزيمة هنا أقسى من بقاء الحال السابق… في السابق كان فساد، واليوم ولد الفساد فسادا وفسادا… وأصبحنا نعاني من تعدد الفرق والفصائل والفئات والتناحر حول جثة الفقيد … ويختتم قصيدته : (تأمّلَ الوعد سيقانَ السَّنابِلِ، وما زالَ يلوّحُ بتضاريسٍ جديدةٍ، الصدورُ عارية المشيبِ، يعانقها البلفور مزهوا، يمخر عباب الخلايا( تأمل الوعد والأمل المنكسر سيقان السنابل… فما عاد لها رؤوس شامخات بل سيقان تنتظر رزقا… وتنتظر رجلا تعطيه برضاها لا اغتصابا مستقبلها الذي كان واعدا… تطعمه دماء شبابا غسلوا رجسها بالدم، لكن الضباب الذي غزا العقول والقلوب لم يتركهم ينعمون… لا زال سايكس يفكر في طريقة جديدة للتقسيم ليكبر عدد الدول العربية وتحصل على أصوات في الأمم المتحدة تؤكد اختلافها فيما بينها وحرصها على تتويج سايكس زعيما أبديا لها، ليسعد بلفور فكل ما حدث ويحدث نهر خير نقي يصب خيراته في يهود خيبر، ولتعانق نجوم السعد لسارقي الثورات والربيع العربي، نجمة داود السداسية… ويفرش ثقافته في الحنايا… ويمد جسور الرق والعبودية لمن استبدلوا بدينهم دنياهم… فما ربحوا، وتحولوا إلى رعاة يحلبون شعوبهم لسادتهم… وعلى طول المدى الذي امتد عم الظلام واختفت عتبات سعد كان سرابا… وبدأ الضياع… بل زاد الضياع دمت رائعا بفكرك ورؤيتك ونسجك اللغوي وعمق كلماتك وتعدد دلالاتها وما تملكه من حس وطني… ونزيف داخلي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock